بطاقات دعوية

احصائية الزوار

الاحصائيات
لهذا اليوم : 2488
بالامس : 455
لهذا الأسبوع : 8060
لهذا الشهر : 50532
لهذه السنة : 385998
منذ البدء : 759573

التواجد الآن

يتصفح الموقع حالياً  7
تفاصيل المتواجدون

ارسل فتوى عبر "الواتساب"

المادة

ما أعظمه

150 | 07-10-2019

بسم الله الرحمن الرحيم

ما أعظمه من إله

سبحان الله ما أعظمه من إله، يخلق ويرزق، يعطي ويمنع، يدبر الكون، يجيب الدعاء، يغيث الملهوف.

سبحانه وتعالى:

هو الكبير المتعال، يعلم مثاقيل الجبال، وعدد حبات الرمال، ويعلم مكاييل البحار، وعدد قطرات الأمطار، ولا يغيب عن علمه ما يسقط من ورق الأشجار.

شرع شرائعاً تذكر عباده بعظمته جلَّ جلاله؛ فها هو الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول : «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ»([1]) ،وكأنَّ العبد وهو راكع يقول: العجز والضعف والمسكنة صفتي، والعظمة والجلال والكبرياء صفتك يارب، وهذه حقيقة الركوع التي علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان يقول في ركوعه : «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ، وَالْمَلَكُوتِ، وَالْكِبْرِيَاءِ، وَالْعَظَمَةِ»([2]).

إنَّ تعظيم الله عز وجل لا يتحقق لامرءٍ قط حتى تؤدي كلَّ جارحة من الجوارح حظَّها من الخضوع والافتقار، ولا يكون ذلك حتى يعرف العبد ربه؛ فأشدُّ الناس معرفةً وعلماً بالله هم أشدهم خشيةً وتعظيماً له جلَّ في علاه، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله : «ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين : منزلة التعظيم، وهذه المنزلة تابعة للمعرفة، فعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الرَّبِّ تعالى في القلب، وأعرف الناس به أشدهم له تعظيمًا وإجلالًا»([3]).

ومن تأملَّ شريعة محمدٍ صلى الله عليه وسلم وجدها تدور بكل تفاصيلها حول تعظيم الرب جلَّ جلاله؛ ولهذا قال فخر الدين الرازي رحمه الله : «وحاصل شريعته صلى الله عليه وسلم تعظيمُ الله، والثناء عليه، والانقياد لطاعته، وصرف النفس عن حبِّ الدنيا، والترغيب في سعادات الآخرة »([4]).

وإن لم يكن في منزلة التعظيم إلا ما تورثه من الحياء من الله تعالى لكفى بها منزلة وايم الله، يقول الإمام المروزي رحمه الله : «إذا ثبت تعظيمُ الله في قلب العبد أورثه الحياءَ من الله والهيبةَ له، فغلب على قلبه ذكـرُ اطِّلاع الله العظيم، ونظرُهُ بعظمته وجلاله إلى ما في قلبه وجوارحه، وذكـرُ المقام غدًا بين يديه، وسؤاله إيَّاه عن جميع أعمال قلبه وجوارحه، وذكـرُ دوام إحسانه إليه وقِلَّة الشكر منه لربِّهِ، فإذا غلب ذكـر هذه الأمور على قلبه هاج منه الحياء من الله، فاستحى اللهَ أن يطَّلِعَ على قلبه وهو معتقدٌ لشيء مما يكره، أو على جارحة مِنْ جوارحه يتحرَّك بما يكره، فطهَّرَ قلبه مِنْ كلِّ معصية، ومنع جوارحه مِنْ جميع معاصيه»([5]).

سُبْحَانَ من يُعْطِي المُنىَ بخواطرٍ في النَّفس لم ينطِقْ بهنَّ لِسَانُ

سُبْحَانَ من لاشيءَ يحجُب علمَه فالسرُّ أجـــمعُ عنــــــدَه إعـلانُ

سُبْحَانَ مَنْ هُوَ لا يزالُ مُسبّحًا أبدًا وليــس لغــــيرِهِ السُّـــبحانُ

سُبْحَانَ مَنْ تجْري قَضَاياه على ما شاءَ منها غائــبٌ وعيــــــانُ

سُبْحَانَ مَنْ هُو لا يزالُ ورزقُـــهُ للعــــالمينَ به عليـــــــه ضَمَــــــانُ

سُبْحَانَ من في ذكرِه طرقُ الرِّضَى منه وفيه الرَّوحُ والريحـــــــــانُ

ملكٌ عزيزٌ لا يقارَنُ عِــــــــزُّه يُعصَى ويُرجَى عنده الغفــــــرانُ

ملكٌ له ظهرُ القضاءِ وبطنُه لم تُبل جدَّة ملكِه الأزمــــــــــــانُ

ملكٌ هو الملكُ الذي من حِلْمِه يُعصَى بحسنِ بلائِهِ ويُخـــــــــانُ

يُبْلَى لكلِّ مسلّطٍ سلطانُه واللهُ لا يَبْلَى له سُلطـــــــــانُ[6]

مثال في عظمة خلق الله

لقد أردت في هذا المثال أن أرصد للقارئ الكريم بعض صور العظمة في خلق الكون، وأوضح بعض صور الإعجاز فيه وخاصة بعد ما سمعت آيات من كتاب الله تعالى وتلوتها وتأملتها وهي قوله جل جلاله : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } البقرة: 164، ولكن رأيت أن أضرب مثالاً أصغر من هذا الكون الفسيح، بل هو من أصغر ما في الكرة الأرضية على الإطلاق، صغير لدرجة إنَّ المرء ليعجب من صنع الخالق جلَّ وعلا لهذا الكائن، إنها النملة، تلك المخلوقة العجيبة التي تعيش في مستعمرات جوفية منظمة، والتي تشكل في عالمنا ما مقداره 15-25% من الكتلة الحيوية للحيوانات البرية[7].

فمن عظمة خلق الله تعالى في هذا المخلوق الضئيل أن جعل هيكله الخارجي مكون من مادة قوية مقاومة للماء يطلق عليها (( الكيتين = chitin))، وهذه المادة تجعل جسدها قادراً على رفع جسم يعادل عشرة أضعاف وزنها، والنملة لا تتنفس كما تتنفس معظم الكائنات، وإنما تأخذ الأكسجين عن طريق فتحات صغيرة تغطي جسدها تسمى الفوهات التنفسية ومنها يخرج أيضا ثاني أكسيد الكربون، ودم النملة عديم اللون يُضخ عبر أنبوبٍ طويل هو قلبها الذي يوزعه من الرأس إلى كافة أنحاء الجسد ويرجع مرة أخرى إلى الرأس، وفي النملة جهاز عصبي يتكون من حبل دقيق للغاية يمتد من الرأس إلى الخلف مع فروع موصلة لأجزاء الجسد، وهو يشبه إلى حد ما الحبل الشوكي في الإنسان، كما يوجد في دماغ النملة 250000 خلية عصبية تتصل بهذا الحبل العصبي[8].

وهناك من المعلومات ما يطول ذكره ويخرج المثال عن مقصده الذي يذكرنا بعظمة الله عز وجل وقدرته التي يقف أمامها المؤمن مسبحاً ذاكراً لربه، معترفاً بالضعف والعجز، مستسلماً خاضعاً لله القائل : { صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير لما تفعلون } سورة النمل: 88، هذا صنع الله وإتقانه في نملة فمابلنا بالكون كله.

ما قدروا الله حق قدره

ما قدر الله حق قدره من ألحد فلم يؤمن.

ما قدر الله حق قدره من أشرك معه شيئأ من خلقه.

ما قدر الله حق قدره من عظَّم مخلوقاً ولم يعظم الخالق.

ما قدر الله حق قدره من رأى بعينه عظيم صنعه، وسمع بأذنه روعة قرآنه، وعلم بعقله وسطية شريعته، ثم لم يستسلم لله العظيم، ويوحده ولا يشرك به شيئاً، وصدق الله تعالى غذ قال عن للمعاندين والمشككين : { مالكم لا ترجون لله وقاراً } [نوح/١٣]، قال ابن القيم : «أي : لا تعاملونه معاملة مَنْ توقرونه، والتوقير : العظمة، ومنه قوله تعالى : { وتوقروه }[الفتح/٩]، قال الحسن : «ما لكم لا تعرفون لله حقًّا، ولا تشكرونه ؟!»، وقال مجاهد : «لا تبالون عظمة ربكم ؟!»، وقال ابن زيد : «لا ترون لله طاعة ؟!»، وقال ابن عباس : «لا تعرفون حق عظمته ؟!»، وهذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم لو عظَّمُوا الله وعرفوا حقَّ عظمته وحَّدُوه، وأطاعوه، وشكروه، فطاعته سبحانه اجتناب معاصيه، والحياء منه بحسب وقاره في القلب»([9]).

ومن تأمل القرآن وجد أنَّ الله تعالى قد نبَّه على هذا الأمر في ثلاثة مواضع من القرآن إذ قال عز وجل : { ما قدروا الله حق قدره } وذلك في سورة الأنعالم والحج والزمر.[10]

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : (والله سبحانه قد ذكر هذه الكلمة {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} في ثلاث مواضع؛ ليُثْبِتَ عظمته في نفسه وما يستحقه من الصفات، وليُثْبِتَ وحدانيته، وأنه لا يستحق العبادة إلَّا هو، وليُثْبِتَ ما أنزله على رُسُلِهِ، فقال في الزمر وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} الْآيَةَ. وَقَالَ فِي الْحَجِّ: {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} وَقَالَ فِي الْأَنْعَامِ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام/٩١]، وفى المواضع الثلاثة ذمَّ الذين ما قدروه حقَّ قدره من الكفار، فدلَّ ذلك على أنه يجب على المؤمن أن يُقدِّرَ الله حقَّ قدره .... ودلَّتْ الآية على أن له قدرًا عظيمًا، لا سيما قَوْلُهُ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ})([11])

وفي «الصحيحين»([12]) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : جَاءَ حَبْرٌ مِنْ الْأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : «يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ : «أَنَا الْمَلِكُ»»، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}.

علَّق شيخ اللإسلام على هذا الحديث فقال : ( وهذا يقتضي أن عظمته أعظم مما وصف ذلك الحبر؛ فإن الذي في الآية أبلغ)([13]).

روابط ذات صلة

المادة السابق
المواد المتشابهة المادة التالي
 موقع ينابيع الدعوة

تصميم وتطوير كنون